الشيخ السبحاني

554

بحوث في الملل والنحل

والعجب أنّ القاضي يستدلّ على أنّ العقوبة على طريق الدوام ، ولا يخرج الفاسق من النّار بشفاعة النّبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله سبحانه : « وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً » « 1 » ، وقوله سبحانه : « ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ » « 2 » . « 3 » يلاحظ عليه أوّلًا : أنّ الأُسلوب الصحيح لتفسير القرآن الكريم هو تجريد المفسِّر نفسه عن كلِّ رأي سابق أوّلًا ، وجمع الآيات المربوطة بموضوع واحد ثانياً . فعند ذلك يقدر على فهم المراد . والقاضي نظر إلى الآيات بمنظار الاعتزال أوّلًا ، ولم يجمع الآيات الراجعة إلى الشفاعة ثانياً ، مع أنّ الآيات الراجعة إلى الشفاعة على سبعة أصناف « 4 » فأخذ صنفاً واحداً وترك الأصناف الأُخر . ثانياً : ما ذكره من الآيتين في نفي الشفاعة راجعتان إلى الكفّار . فالآية الأُولى ناظرة إلى نفي الشّفاعة الّتي كانت اليهود يتبنّونها كما هو صريح سياقها ، والآية الثانية الّتي وردت في السورة المكّية ناظرة إلى الشفاعة الّتي كان المشركون يعتقدون بها . قال سبحانه حاكياً عنهم : « إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ * وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ » « 5 » .

--> ( 1 ) . البقرة : 48 . ( 2 ) . غافر : 18 . ( 3 ) . شرح الأُصول الخمسة : 689 . ( 4 ) . لاحظ في الوقوف على هذه الأصناف الجزء الرابع من مفاهيم القرآن : 177 - 199 . ( 5 ) . الشعراء : 98 - 101 .